السيد محمد باقر الصدر

151

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

الكيفية والكميّة على اتّجاه المسيرة وحجمها ، تبنّي المسيرة البشرية لهذا المثل يتوقّف على عدّة أمور : أوّلًا : على رؤية واضحة فكرياً وإيديولوجياً لهذا المثل الأعلى ، وهذه الرؤية الواضحة لهذا الأعلى عقيدة التوحيد على مرّ التاريخ ، عقيدة التوحيد التي تنطوي على الإيمان باللَّه سبحانه وتعالى ، التي توحّد بين كل المُثل ، بين كلّ الغايات ، كلّ الطموحات ، كلّ التطلعات البشرية ، توحّد بينها في هذا المثل الأعلى الذي هو علم كلّه ، قدرة كلّه ، عدل كلّه ، رحمة كلّه ، انتقام من الجبارين كلّه . هذا المثل الأعلى الذي تتوحّد فيه كلّ الطموحات وكلّ الغايات ، هذا المثل الأعلى تعطينا عقيدة التوحيد رؤية واضحة له ، تعلّمنا على أن نتعامل مع صفات اللَّه وأخلاق اللَّه لا بوصفها حقائق عينية منفصلة عنّا كما يتعامل فلاسفة الإغريق ، وإنّما نتعامل مع هذه الصفات والأخلاق بوصفها رائداً عملياً ، بوصفها هدفاً لمسيرتنا العملية ، بوصفها مؤشّرات على الطريق الطويل للإنسان نحو اللَّه سبحانه وتعالى . عقيدة التوحيد هي التي توفّر هذا الشرط الأول : الرؤية الواضحة فكرياً وإيديولوجيا للمثل الأعلى . ثانياً : لابدّ من طاقة روحية مستمدّة من هذا المثل الأعلى لكي تكون هذه الطاقة الروحية رصيداً ووقوداً مستمراً للإرادة البشرية على مرّ التاريخ ، هذه الطاقة الروحية ، هذا الوقود الذي يستمد من اللَّه سبحانه وتعالى يتمثّل في عقيدة يوم القيامة ، في عقيدة الحشر والامتداد ، عقيدة يوم القيامة تعلّم الإنسان أنّ هذه الساحة التاريخية الصغيرة التي يلعب عليها الإنسان مرتبطة ارتباطاً مصيرياً بساحات برزخية وبساحات حشرية في عالم البرزخ والحشر ، وأنّ مصير الإنسان على تلك الساحات العظيمة الهائلة مرتبط بدوره على هذه الساحة التاريخية . هذه العقيدة تعطي تلك الطاقة الروحية ، ذلك الوقود الرباني